فخر الدين الرازي

125

تفسير الرازي

ولهذا قال : * ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) * وهو شطر الإيمان بل هي كالغصن في معرفة الله تعالى ، لأن معرفة النبوة لا بد وأن يتقدمها معرفة ذات الله وعلمه وقدرته وحكمته ، ثم إذا حصلت معرفة النبوة فحينئذ يستفاد منها معرفة بقية الصفات كالسمع والبصر والصفات الخيرية والوجدانية على قول بعضهم ، تم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه المنقبة ، لأنه الذكور قبل سائر الأنبياء والمبعوث بعدهم ، ثم هو مبعوث إلى الثقلين ، وهو الذي يحشر قبل كل الأنبياء ، ولا يجوز ورود الشرع على نسخه وفضائله أكثر من أن تعد وتحصى . ولنذكر ههنا قليلاً منها ، فنقول : إن كتاب آدم عليه السلام كان كلمات على ما قال تعالى : * ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) * وكتاب إبراهيم أيضاً كان كلمات على ما قال : * ( وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ) * وكتاب موسى كان صحفاً ، كما قال : * ( صحف إبراهيم وموسى ) * أما كتاب محمد عليه السلام ، فإنه هو الكتاب المهيمن على الكل ، قال : * ( ومهيمناً عليه ) * وأيضاً فإن آدم عليه السلام إنما تحدى بالأسماء المنثورة فقال : * ( أنبئوني بأسماء هؤلاء ) * ومحمد عليه الصلاة والسلام إنما تحدى بالمنظوم : * ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن ) * وأما نوح عليه السلام ، فإن الله أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء ، وفعل في محمد صلى الله عليه وسلم ما هو أعظم منه . روى أن النبي عليه الصلاة والسلام : " كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل ، فقال : لئن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق ، فأشار الرسول إليه ، فانقلع الحجر الذي أشار إليه من مكانه ، وسبح حتى صار بين يدي الرسول عليه السلام وسلم عليه ، وشهد له بالرسالة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يكفيك هذا ؟ قال : حتى يرجع إلى مكانه ، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام ، فرجع إلى مكانه ، وأكرم إبراهيم فجعل النار عليه برداً وسلاماً ، وفعل في حق محمد أعظم من ذلك . عن محمد بن حاطب قال : " كنت طفلاً فانصب القدر علي من النار ، فاحترق جلدي كله فحملتني أمي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت : هذا ابن حاطب احترق كما ترى فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جلدي ومسح بيده على المحترق منه ، وقال : أذهب البأس ، رب الناس ، فصرت صحيحاً لا بأس بي " وأكرم موسى ففلق له البحر في الأرض ، وكرم محمداً ففلق له القمر في السماء ، ثم أنظر إلى فرق ما بين السماء والأرض ، وفجر له الماء من الحجر ، وفجر لمحمد أصابعه عيوناً ، وأكرم موسى بأن ظلل عليه الغمام ، وكذا أكرم محمداً بذلك فكان الغمام يظلله ، وأكرم موسى باليد البيضاء ، وأكرم محمداً بأعظم من ذلك وهو القرآن العظيم ، الذي وصل نوره إلى الشرق والغرب ، وقلب الله عصا موسى ثعباناً ، ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين ، فانصرف مرعوباً ، وسبحت الجبال مع داود وسبحت الأحجار في يده ويد أصحابه ، وكان داود إذا مسك الحديد لان ، وكان هو لما مسح الشاة الجرباء درت ، وأكرم داود بالطير المحشورة ومحمداً بالبراق ، وأكرم عيسى عليه السلام بإحياء الموتى ، وأكرمه بجنس ذلك حين أضافه اليهود بالشاة المسمومة ، فلما وضع اللقمة في فمه أخبرته ، وأبرأ الأكمه والأبرص ، روى